كيف يمكن أن تساعدنا الفلسفة الصينية كمربين

تقترح الكونفوشيوسية والطاوية طرقًا لتوجيه أطفالك تجاه تحقيق المعنى والإنجاز بدلا من تحقيق الثروة والمكانة.

أنت بحاجة إلى معرفة

هذا هو السؤال الذي يطرح عليّ كثيرًا في الملعب عندما يعرف الآباء أنني أستاذة في الفلسفة الصينية القديمة: “هل تؤثر الفلسفة الصينية القديمة على الأبوة والأمومة؟” إنه سؤال من الممتع الإجابة عليه، بسبب كوني أحد الوالدين دفعني ذلك إلى النظر بشكل مختلف تمامًا إلى النصوص التي أترجمها وأقوم بتدريسها. تحتوي الفلسفة الصينية على فكرة الجانب المظلم والجانب المضيء، وفي حين أن بعض العناصر هي بلا شك أبوية وسلطوية، وتستحق أن تُترك في الماضي، إلا أنه لا تزال هناك العديد من الدروس المفيدة والمتاحة والملائمة لزماننا عند تطبيقها على تحديات التربية. في الواقع، أجد أن الفلسفة الصينية ترشدني وتشكل تحديًا لي كأم بشكل يومي، ولكن بطرق بعيدة بشكل كبير عما تخبرني به ثقافتي ومجتمعي. وهذا ما يجعلها مفيدة للغاية.

التربية صعبة، خاصة أنه لا يوجد منهج واحد يناسب الجميع. يحتاج الأطفال المختلفون إلى أشياء مختلفة، ونحن كعائلات نحتاج إلى أشياء مختلفة. كيف نبقى مركزين على ما هو أكثر أهمية؟ كيف نتغلب على الأوقات الصعبة مع أطفالنا وندعمهم عندما يكافحون؟ كيف نرتب أولوياتنا للمتطلبات الكثيرة في وقتنا ووقت أطفالنا؟

كلنا نريد لأطفالنا أن يكونوا ناجحين، وذلك يرجع جزئيًا إلى أننا نحبهم ونريدهم أن يكونوا سعداء. ولكن من السهل مساواة “النجاح” عن طريق الخطأ بأنواع معينة من الإنجازات الأكاديمية أو الرياضية، وبالتالي، بمدى سمعة كليتك وحياتك المهنية المختارة، أو مع قدرتك على الكسب. بالطبع، يمكن للمرء تحديد النجاح بهذه الطريقة، فهي مقبولة على نطاق واسع وبدون نقد كمؤشرات للنجاح في مجتمعنا اليوم. لكن الفلاسفة الصينيون القدماء اعتقدوا أن النجاح الحقيقي لا يقاس بالمكانة أو الشهرة أو المال أو السلطة. الحياة الناجحة – هي الحياة التي تُعاش بشكل جيد – هي الحياة التي يزدهر فيها الشخص: يكون سعيدًا ومشبعًا ويجد معنى فيما يفعله ومن يكون. وهم يجادلون أن هذا النوع من الإنجاز لا يأتي من المشاركة في الأنشطة “الصحيحة”، أو من الالتحاق بالمدارس المرموقة، أو من اكتساب السلطة. بدلًا من ذلك، يأتي من ممارسة الحب وتلقيه من قبل الآخرين في سياق علاقات هادفة ودائمة، وفهم الطريقة التي ترتبط بها هويتك بحياة أولئك الذين سبقوك، وإعطاء ما تملك بسخاء، والاهتمام بالطبيعة ووجود حب حقيقي لها، وإيجاد مهنتك الحقيقية – بغض النظر عن مدى تواضعها.

في الواقع يدافع الفلاسفة الصينيون عن مدى أوسع بكثير من المهن والمواهب والقدرات (بما في ذلك أنواع مختلفة من الذكاء) مما نعرف – ويحثوننا على تجنب تفضيل أنواع معينة من الإنجازات على الإنجازات الأخرى. يصفون الأشخاص الفعليين الذين يشعرون بالسعادة والرضا، ويلاحظون أنهم يعيشون أنواعًا مختلفة من الحياة ويقومون بالعديد من الأشياء المختلفة – غالبًا الأشياء التي لا تجلب لهم الثروة والمكانة – ولكن الأشياء التي تجعلهم سعداء وحياتهم مرضية.

يعلم معظمنا أن الحصول على شهادة من رابطة اللبلاب ووظيفة مرموقة ذات مرتب عالي لن تجعل أطفالنا سعداء ويشعرون بالرضا عن حياتهم. ومع ذلك، فإننا نشعر بالقلق بشأن كيفية العثور على الأِشياء التي يحبون القيام بها والتي يجيدونها. نحن قلقون بشأن مدى صعوبة الالتحاق بالجامعة، وما إذا كان أطفالنا سيتمكنون من الحصول على وسائل الراحة المادية التي يريدونها. ونجد أنفسنا في مجتمع سريع الخطى يحثنا على متابعة أنواع معينة من الأنشطة والإنجازات والمنافسات، بما في ذلك المكانة والمال، كسبل للسعادة. ولكن ما هي مصادر السعادة والرضا التي يجب أن نسعى لها من أجل أطفالنا؟ ما هو القاسم المشترك بين الِأشخاص الذين يعيشون حياة سعيدة ومرضية، وكيف سيبدو الأمر إن سعينا وراء هذه الأِشياء في التربية، من أجل أطفالنا وأنفسنا؟ 

يتحدث الفلاسفة من التقاليد الصينية القديمة الأكثر تأثيرًا – الكونفوشيوسية والطاوية – عن الازدهار البشري والفضيلة والسعادة والإنجاز أكثر من الحديث عن “النجاح”. لقد فهموا الازدهار بالمعنى الأخلاقي: أولئك الذين يشعرون بالسعادة والرضا والذين أدركوا حقًا امكانياتهم هم أولئك الذين لديهم أفضل الفضائل مثل الإنسانية والرحمة، والذين وجدوا هدفهم الحقيقي أو مهنهم في الحياة. جادل الفلاسفة الصينيون بأننا نزدهر – بسعادة ورضا أكبر- عندما نطور هذه الفضائل. لا يمكن قياس هذا أبدًا من حيث كسب القوة أو الذهاب إلى المدارس أو الحصول على وظائف مرموقة. بدلًا من ذلك، يُقاس بكيفية تعاملنا مع الناس – كيف يحب المرء ويُحب من قبل عائلته وأصدقائه – وما يفعله المرء لجعل العالم أكثر طيبة ولطف وإنسانية وجمال. بينما يشجعونا على مساعدة أطفالنا على معرفة المزيد عن العالم من حولهم، فإن هذا لا يعني أنهم يجب أن يكونوا متفوقين أكاديميًا. فالعلم يجب أن يجعلنا أكثر حكمة وقدرة على مساعدة الآخرين بشكل أفضل. كما تقول تعاليم الكونفوشيوس: “التعليم مضيعة إذا لم نفكر في المعنى والأهمية الأكبر لما تعلمناه.”

تعود تعاليم أشهر الفلاسفة المحبوبين من التقاليد الكونفوشيوسية والطاوية إلى القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد. لقد عاشوا في وقت صعب في المجتمع الصيني -وقت ازداد فيه عدم الاستقرار السياسي، والذي تسبب في النهاية إلى اندلاع الحرب والعنف – لكنهم اختلفوا حول مصدر المشكلة وكيفية إصلاحها. كان الكونفوشيوسيون والطاوييون يشبهون إلى حد ما الين واليانغ: فالكونفوشيوسيون يمتلكون الكثير من الطرق النشطة والعملية لمساعدة الأطفال على النمو، مثل المشاركة في الطقوس والتقاليد، في حين أن الطاويين يوصون بأنشطة أبسط، من قبيل اكتشاف جمال الطبيعة والاستمتاع به. وجهات نظرهم المختلفة حول عيش حياة كريمة هي بالضبط ما يجعل الفلسفة الصينية موردًا عظيمًا للمربين. تربية الأطفال أمرًا فوضويًا. إنها ليست بالأمر البسيط أو المباشر ولكنها معقدة وصعبة. لا توجد حلول سحرية تجعل الأمور سهلة أو سلسة. سيحتاج معظمنا إلى تجميع مناهج مختلفة معًا من أجل العثور على نهج يعمل بشكل جيد ويكون مناسب في المواقف المختلفة، وللأطفال المختلفين، وفي أوقات مختلفة من حياة الطفل. فيما يلي بعض الاقتراحات التي قدمها لنا الفلاسفة الصينيون القدماء.

ما يجب فعله

إنشاء وممارسة الطقوس

يصر الفلاسفة الكونفوشيوسيون على أن الطقوس – بما في ذلك جميع أنواع الممارسات البسيطة مثل كتابة ملاحظات الشكر، أو تلاوة الصلاة قبل الوجبة، أو سرد ثلاثة أشياء تشعر بالامتنان تجاهها قبل الذهاب للنوم في الليل – يمكن أن تساعدنا في أن نصبح أشخاص أفضل، وكذلك أشخاص أكثر سعادة. الطقوس هي أحد أكثر الطرق التي تنمو وتتطور بها الفضائل مثل الامتنان واللطف والتعاطف والكرم. عندما نأخذ الوقت الكافي لكتابة ملاحظة الشكر، على سبيل المثال، فإنها لا تعبر فقط عن امتناننا لشخص ما (وبالتالي تقوية العلاقة) – بل إنها تعمق امتناننا لما نملك.

تربطنا الطقوس بالآخرين، وتخلق علاقات ذات معنى في العائلات والمجتمعات. لكن كونفوشيوس قال ذات مرة:” إذا لم تكن حاضرًا بشكل كامل في أحد الطقوس، فسيبدو الأمر كما لو أنك لم تقم بتلك الطقوس على الإطلاق”. عند القيام بها بشكل منتظم ومتعمد، يمكن للطقوس من جميع الأنواع تشكيل شخصيات أطفالنا، وشيئًا فشيئًا، تساعدهم على أن يصبحوا أشخاص طيبين ومتعاطفين وممتنين وقادرين على إقامة علاقات هادفة مع الآخرين. يشجعنا فلاسفة الكونفوشيوسية على التمعن في الطقوس التي نمارسها، فكونفوشيوس دعا إلى العودة إلى بعض الطقوس التقليدية وتجاوز غيرها. مارس الطقوس التقليدية المتمثلة في التوقف قبل كل وجبة وتخصيص جزء صغير من الطعام لإحياء ذكرى الأسلاف، ليس فقط كقربان لأرواحهم (التي يعتقد أنها استمرت في العيش في هذا العالم) ولكن أيضًا كطريقة لتذكر من أين أتينا ومن كنا، كل يوم. 

نظرًا لأننا نعيش في ثقافة ذات طقوس يومية قليلة نسبيًا، فكر في الطقوس التي تحتاجها عائلتك – بدءًا من الفضائل التي ترغب في غرسها في أطفالك وفي نفسك – واعمل على خلقها. تعتبر الطقوس اليومية مثل (التأمل، الصلاة، المشي، التعبير عن الامتنان) بنفس أهمية الطقوس السنوية مثل تلك التي نلاحظها في أعياد الميلاد وجميع الأعياد. كن مستعدًا لمعاملة طقوسك على أنها مقدسة، واحمي تلك الأنشطة والوقت الذي تستغرقه، وكن حاضرًا بالكامل بذهنك وجسدك وروحك.

مقاومة الالتزام بما هو شائع

الفلاسفة الطاويون لديهم رسالة لأي أم أو أب شعر ذات يوم أن طفله غير ملائم ولا يرقى إلى معاييره: تذكر أن ازدهار طفلك فريد من نوعه، لذلك لا تخف من مخالفته لما يفعله الآخرون، سواء كان ذلك يعنى تشجيع على ممارسة أنواع مختلفة من الأنشطة، أو التفكير في الالتحاق بمدرسة طهي بدلًا من كلية مدتها أربع سنوات. على الرغم من أن الفردانية والأبداع من السمات المميزة للثقافة الأمريكية، إلا أننا مازلنا نميل إلى الامتثال دون نقد لما يفعله من حولنا. كما أننا نفضل دون تمحيص مسارات معينة (أنشطة، وظائف، الخ) على مسارات أخرى. ضع في اعتبارك الطريق الأقل ارتيادًا الذي لم يسلكه الآخرون، حتى لو كان مختلفًا عن مسارك.

يمتلك الأفراد المثيرون للإعجاب الذين قدمهم الفلاسفة الطاويون القدامى كأمثلة مجموعة متنوعة بشكل استثنائي من المواهب والمهارات والقدرات. إنهم ليسوا حكماء أو علماء، وقد نالوا الإعجاب على نطاق واسع في الصين القديمة، لقد كانوا حرفيون ونجارون وطهاه وجزارون ماهرون – مهن لم يتم الاحتفاء بها على نطاق واسع. في وصف قدراتهم الرائعة (والمتعة التي يحصلون عليها من عملهم) يطعن الفلاسفة الطاويون في فهمنا للذكاء والمهارة، مشيرين إلى أشكال الذكاء التي لا تقاس عن طريق درجات الاختبار. يصف الفيلسوف جونغ زي الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد نحات الخشب الذي يستعد لإنشاء المنحوتات الجميلة التي يعجب بها الجميع: أولًا، يتأمل لتصفية ذهنه من كل الأفكار المتعلقة بالمال والشهرة والمشتتات الأخرى. ثم يخرج إلى الغابة وينظر إلى “الطبيعة السماوية” للأشجار، حتى يرى شكل ما سينحته. يقول ببساطة أنه يتبع الطبيعة عندما يقوم بهذا العمل، أو “يطابق السماء بالسماء”.

في مثل هذه النصوص، يؤكد الفلاسفة الطاويون على المتعة، والانجاز والمعنى الأعمق الذي يمكن العثور عليه في القيام بالعمل الذي يبدو أنه مقدر لك أن تقوم به – وجهة نظر يتردد صداها على لسان الفلاسفة الكونفوشيوسيين الذين أصروا على أن الاستمتاع بالتعلم أهم من مقدار (أو مدى سرعة) تعلمك.

لا تتسرع في التضحية بنفسك

تذكر أن رفاهيتك لا تقل أهمية عن رفاهية طفلك، وأن هذين الأمرين في الحقيقة ليسا مجالين مختلفين. فقد أكد الفلاسفة الكونفوشيوسيون أن الوالدين والأطفال أكثر ارتباطًا ببعضهم البعض بشكل أعمق مما نميل إلى إدراكه. كآباء وأمهات، من السهل نسيان ذلك: فنحن في بعض الأحيان نركز بشكل ضيق للغاية على احتياجات وفرص أطفالنا مع إهمال احتياجاتنا الخاصة. عند اتخاذ قرارات بشأن الأنشطة والجداول، ضع في اعتبارك مدى صعوبة إدارة نقل أطفالك وحضور الممارسات والأحداث، لأن ذلك سيؤثر على طفلك وعلى علاقتك بطفلك. قد يقوم الجميع بحفلات أعياد ميلاد ضخمة، لكن هذا لا يعني أنه أفضل شيء يمكنك القيام به. يخبرنا كونفوشيوس: “عندما يتعلق الأمر بالطقوس، فمن الأفضل أن نتجنب الاسراف” – ليس فقط لأنه يساعدنا على إيلاء المزيد من الاهتمام لما نحتفل به ولماذا، ولكن أيضًا لأن مثل هذه المناسبات يجب أن تكون ممتعة وتؤكد على أهمية الحياة، على عكس الاستنزاف (عاطفيًا وجسديًا وماليًا).

تذكر أيضًا أن تعزيز العلاقات مع الأصدقاء والجيران أمر أساسي، سواء بالنسبة للطفل أو بالنسبة لك. قصة التربية الأكثر شهرة في الفلسفة الصينية تدور حول فيلسوف القرن الرابع قبل الميلاد منق زي (منسيوس)، الذي انتقلت والدته ثلاث مرات – حيث كانت تسكن في البداية بالقرب من مقبرة، ثم بعد ذلك بالقرب من سوق، وأخيرًا بجوار مدرسة – من أجل إحاطة ابنها الصغير بالتأثيرات المناسبة. في حين أن جزء هذه القصة عن تضحية الوالدين، إلا أنها تدور حول دور القرية (البيئة المحيطة) في تربية الطفل. ربما لأنها كانت بشكل خاص أم عزباء، فقد أدركت والدة منق زي أن وجود جيران وأصدقاء جيدين بالجوار أمر مهم، ليس فقط من أجل تنمية وتطوير ابنها، ولكن من أجل مصلحتها أيضًا.

هذا هو أحد الأسباب التي جعلت الفلاسفة الكونفوشيوسيين يحثوننا على تخصيص المزيد من الوقت لصنع طقوس مع العائلة والأصدقاء؛ في الوقت نفسه، يوصي فلاسفة الطاوية بمنح أطفالنا المزيد من وقت الفراغ لقضائه في الهواء الطلق. حيث تشير دراسات حول السعادة والازدهار إلى أن كلا الفلسفتين على حق: فالممارسات المنتظمة والواعية مثل الطقوس والعلاقات والوقت الذي يقضيه الطفل في الهواء الطلق كلها عوامل أساسية.

تجنب الميل إلى الاعتقاد بأنك تستطيع أو يجب عليك تعريض طفلك لكل نشاط في السوق لمساعدته في العثور على شيء يستمتع به أو يجيده. عندما يتعلق الأمر بازدهار طفلك، فإن وجود علاقة حب صحية مع أحد الوالدين (الذي لم يتم الضغط عليه)، ووجود أشخاص آخرين يحبونهم ويهتمون بهم هي أهم بكثير من قائمة الأنشطة. تخبرنا مختارات الكونفوشيوسية أن علاقات المحبة والاحترام والدعم هي أصل كل الفضائل.

ابحث عن النِعم في العيوب والتحديات

من أصعب الأمور فيما يتعلق بالتربية أنه بغض النظر عن مقدار ما تفعله لطفلك، فإنه سيشعر بالألم والرفض والفشل. سيكون هناك العديد من الأِشياء التي لا يمكن إصلاحها. لن يكون لديهم دائما أعظم المعلمين أو المدربين أو الأصدقاء. لن يكون لديهم الحياة المنزلية المثالية (مهما كان ما تفعله). سيواجهون تحديات – وربما تحديات غير عادية، مثل تلك التي تأتي مع أمراض خطيرة أو إعاقات أو أن يكونوا مختلفين عن غيرهم بأي شكل من الأشكال. يحثنا الفلاسفة الطاويون القدامى على عدم إنكار هذه التحديات أو التقليل منها، بل على البحث عن النعم التي تصحبها والسعي إلى الاستمتاع بها. 

من بين الأمثلة على الحيوات التي عاشها أصحابها بشكل جيد، هناك الأشخاص الذين لديهم إعاقات عميقة الذين لا يستطيعون فعل الأشياء التي يفعلها معظم الناس، لكنهم يرون العالم بشكل أكثر وضوحًا نتيجة لقيودهم وصراعاتهم. أحدهم مبتور الأطراف يحظى بالإعجاب بسبب منظوره الحماسي للحياة: “يجب أن يكون لمثل هذا الشخص طريقة خاصة للتفكير… ينظر للطريقة التي تجري بها الأمور ولا ينظر إلى ما ينقصه. إنه ينظر إلى فقدانه للقدم وكأنها لا شيء”. المصطلح الصيني الكلاسيكي لكلمة “خاص” في هذا النص تعني أيضًا “قدم واحدة”: أن تكون مميزًا أو فريدًا قد يعني أنك تفتقد شيئًا ما لدى الآخرين. لكن الاختلافات غالبًا ما تعطينا منظورًا أوضح حول ما يهم حقًا.

لا ينكر فلاسفة الطاوية حقيقة الصعوبات والألم، لكنهم يؤمنون أن النِعم غالبًا ما تصاحبها – وتتنكر في بعض الأحيان على أنها – سوء حظ. كما أدركوا أنه من الأفضل لنا أن نبحث ونركز على الأشياء الجيدة التي تأتي من التحديات والعيوب في أنفسنا وحياتنا، بدلًا من نعيش في حالة من الحزن والندم والمرارة، ونتمنى أن تكون الأشياء مختلفة. أن نكون قدوة لأطفالنا في ذلك أهم أمر يمكننا القيام به، بجانب حبهم كما هم. تأتي الحياة بالأفراح والآلام، وتعتمد قدرتنا على الازدهار جزئيًا على قدرتنا على العثور على شعلة الضوء في الظلام. 

الأفكار الرئيسية – كيف يمكن أن تساعدك الفلسفة الصينية في التربية

1. تعرف على مجموعة واسعة من المهن ولا تميز “النجاح”. يجادل الفلاسفة الصينيون أن تركيزنا الأساسي كمربين يجب أن يكون مساعدة أطفالنا على أن يصبحوا أشخاص سعداء وراضين، بدلًا من مساعدتهم على أن يصبحوا أكثر انجازًا في المجالات التي تحظى بتقدير في ثقافتنا ومجتمعنا. يجب أن نكون مدركين للميل الطبيعي للانجذاب نحو الأشياء التي من شأنها أن تجذب المكانة والثروة، لأن السعي وراء هذه الأشياء ليس هو نفسه السعي وراء حياة سعيدة ومرضية وذات معنى (على الرغم من أن كثير من الناس يعتقدون أنها مساوية، أو يفترضون أن أحدهم يؤدي إلى الآخر).

2.ارزع الفضائل التي تساعد أطفالك على الازدهار. يحثنا الفلاسفة الصينيون على إعطاء الأولوية لزرع الفضائل الأخلاقية مثل التعاطف واللطف والكرم والامتنان والمرونة لدى أطفالنا (على عكس مجموعة المهارات أو المواهب أو الكفاءات) فالفضائل تساعدنا على عيش حياة أكثر سعادة ورضا، جزيئًا من خلال تمكيننا من بناء علاقات هادفة مليئة بالحب مع الآخرين والحفاظ عليها – بغض النظر عما نفعله أو أين نجد أنفسنا في الحياة.

3.انشىء ومارس الطقوس. الطقوس مهمة، وثقافتنا تفتقر إليها، مما يعني أننا بحاجة إلى بذل جهد لإنشائها وتجديدها إذا أردنا الاستمتاع بفوائدها. إن امتلاك طقوس وممارستها هي طريقة رائعة للتعبير عن الفضائل وتنميتها، وبناء العلاقات والحفاظ عليها – التي هي المصدر الأساسي لحياة سعيدة ومرضية. تعد كل من الطقوس اليومية والسنوية فرصًا لمساعدة أطفالك على أن يصبحوا أكثر تفكيرًا وكرمًا وامتنانًا لما لديهم.

4.مقاومة الالتزام بما هو شائع. كن مجتهدًا في معاداة الثقافة العامة وفي اكتشاف ما هو أفضل لعائلتك وأطفالك. نميل بطبيعة الحال إلى الانصياع وراء ما يفعله من حولنا، سواء كان ذلك في تسجيل أطفالنا في نفس الألعاب الرياضية أو في استضافة حفلات أعياد الميلاد في نفس الأماكن. لكن ما يصلح لطفل ما ليس بالضرورة يصلح لطفل آخر. من المهم أن نكون قدوة لأطفالنا في عدم الانصياع، أو الاستسلام لضغط الأقران. أظهر ما يعنيه الفهم الحقيقي للاختلافات بين الأفراد والعائلات وقدر ذلك الاختلاف واحتفي به، من خلال اتخاذ خيارات بناءً على الأهداف والرغبات الفريدة لعائلتك.

5.لا تتسرع في التضحية بنفسك. تذكر أن ما هو أفضل لطفلك لا يختلف تمامًا عن الأفضل بالنسبة لك. لذا لا تنسى أن تعتني برفاهيتك، وأن تقدر دعم الجيران والأصدقاء وتعتمد عليهم.

6.ابحث عن النعم في العيوب والتحديات. هناك نِعم في محدودية طفلك أو تحدياته أو إعاقته. يميل كل مجتمع أو ثقافة إلى تقدير أشياء معينة، لكن هذا لا يعني أنها الأشياء التي يجب أن نقدرها. من الأفضل لنا أن ندرك ونركز على الأشياء الجيدة التي تأتي مع قيودنا وتحدياتنا بدلًا من التركيز على الخسائر. فنحن نعلم أطفالنا أن يتعاملوا مع تحديات الحياة بطريقة صحية عندما نفعل ذلك.

اعرف أكثر

التحديات، بحكم التعريف، ليس من السهل مواجهتها. عندما بدأ طفلاي الأكبر سنًا في تلقي دروس ركوب الخيل العلاجي للمساعدة في علاج إعاقتهما، لم يكن أي منهما قادرًا على المشاركة في أي مسابقة في حياتهما. لذلك فوجئت عندما تمت دعوتهما للمشاركة في مسابقة لراكبي الخيل بغرض العلاج في معرض الخيول السنوي لمركز الفروسية. في يوم العرض، عندما توجهنا إلى ساحة منفصلة حيث كان جميع راكبي الخيل الآخرين يتنافسون، شعرت بالقليل من الحزن. لكن بعد ذلك شاهدت المتطوعين وهم يساعدون أطفالي على ركوب خيولهم بجانب راكبي الخيول بغرض العلاج الآخرين، الذي كان بعضهم يعاني من استخدام محدود لأرجلهم وأذرعهم، وكان لدى بعضهم مشكلة في النطق. عند رؤية هذه المجموعة من الأطفال وهم يخرجون إلى الساحة والمدربين والمتطوعين إلى جانبهم، أوشكت الدموع أن تتدفق من عيني. وقفت هناك وطفلي الأصغر على وركي، نظرت حولي إلى الآباء الآخرين، الذين هم مثلي، كافحوا يوميًا لمساعدة أطفالهم في المهام الأساسية. بينما كنا هنا نستمتع بروعة ما يفعله أطفالنا، انتابني إلهام: هذه هي الساحة التي أريد أن أكون فيها. لأول مرة، أشعر كم يشرفني أن أكون في هذه الساحة مع أطفال يكافحون من أجل المشي والقراءة والتحدث، لكنهم تمكنوا من ركوب الخيل. لم أختر هذه الساحة – ولم يخترها أي والد – وسأستمر في ذرف الدموع بسبب معاناة أطفالي، لكن في ذلك اليوم شعرت بالامتنان لكوني في ساحة أولئك الذين لا يأخذون أي شيء كأمر مسلم به. 

يحكي نص قديم للطاوية قصة عن شجرة كبيرة وجميلة ولها جذع ” مشدود جدًا لدرجة أنها لن تتأثر بخط الطباشير، ولها فروع ملتوية لدرجة أنها لن تناسب الفرجار أو المربع. تقف بجانب الطريق لكن لم ينظر إليها أي بنّاء مرتين.” بالرغم من أن جميع البنائين يمرون بها – في الواقع، لأن جميع البنائين يمرون بها – فهي أكثر الأشجار حظًا في الغابة: لن تسقط بضربة فأس، ستعيش سنوات حياتها تحت الشمس.

في الساحة في ذلك اليوم، لم يهتم أي منا بمكانة أطفالنا في المسابقة أو إذا ما كسب أطفالنا في المسابقة أم لا. شعرنا بالرضا أكثر بفضل الابتسامات المرتسمة على وجوههم، وعلى وجوه المدربين والمتطوعين الذين ساعدوهم أسبوعًا بعد أسبوع، والانتصار الهائل لما حدث في تلك الساحة. في ذلك الصباح تذكرنا جميعًا، ما هو المهم.

 ماهي الساحة التي نريد أن نكون فيها؟ إنه سؤال يريدنا الفلاسفة الصينيون أن نسأله لأنفسنا كل يوم.

مصدر المقال

يفتح هذا المقال المجال لإعادة التفكير في كيف يمكن للفلسفة التي نتبناها أن تلعب دورًا في التربية، فمهما كانت فلسفتك يمكنك تطبيق أفكارها المناسبة واستعارة أفكار من فلسفات أخرى قد تخدم رؤيتك وأهدافك. عندما قرأت المقال لم أنفك عن التفكير في التقاليد الإسلامية التي تشبه إلى حد كبير بعض التقاليد والفلسفات الآسيوية، فمثلا عند فكرة خلق الطقوس، خطر ببالي الأذكار اليومية وبالتحديد أذكار الصباح والمساء، فعند بداية اليوم تحصن نفسك من كل الشرور وتسأل الله المعية والعون وأن يكفيك كل أمر، وتفعل ذلك أيضًا عند المساء، جميل لو خلقنا أوقات مع أطفالنا لترديد هذه الأدعية التي تقوي العلاقة مع الله وتعلم التوكل.

الصورة البارزة

الإعلان

3 آراء حول “كيف يمكن أن تساعدنا الفلسفة الصينية كمربين

  1. نصائح ذهبية ومقال قيم يستحق الاطلاع من كل من له علاقة بالأمور التربوية. استغربت أثناء القراءة حين ذكرت عدم وجود طقوس لدينا، لكن في النهاية تبين أن المقال مترجم😅. بورك قلمك

    إعجاب

    1. فعلا ليس دائما يتم الإشادة بالمعاني العميقة التربوية التي تحملها السلوكيات والأخلاقيات الإسلامية ، تلك الأمور البسيطة التي اعتدنا عليها ونقلناها بدون روح ومعنى لمن بعدنا.
      شكرا أ. عبدالله، سعيدة بأن المقال نال إعجابك.
      يوم سعيد لك.

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s